مجمع البحوث الاسلامية
689
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
في الآية : النّهي عن رفع الصّوت على الإطلاق ، ومعلوم أنّ حكم النّهي الحذر ممّا يتوقّع في ذلك من إيذاء النّبيّ صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم ، والقاعدة المختارة أنّ إيذاءه عليه الصّلاة والسّلام يبلغ مبلغ الكفر المحبط للعمل باتّفاق ، فورد النّهي عمّا هو مظنّة لأذى النّبيّ صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم سواء وجد هذا المعنى أو لا ، حماية للذّريعة وحسما للمادّة . ثمّ لمّا كان المنهيّ عنه منقسما إلى ما يبلغ مبلغ الكفر وهو المؤذي له عليه الصّلاة والسّلام ، وإلى ما لا يبلغ ذلك المبلغ ، ولا دليل يميّز أحد القسمين عن الآخر ، لزم المكلّف أن يكفّ عن ذلك مطلقا ، خوف أن يقع فيما هو محبط للعمل ، وهو البالغ حدّ الأذى ؛ إذ لا دليل ظاهرا يميّزه ، وإن كان فلا يتّفق تمييزه في كثير من الأحيان ، وإلى التباس أحد القسمين بالآخر وقعت الإشارة بقوله سبحانه : أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ . وإلّا فلو كان الأمر على ما يعتقده الزّمخشريّ لم يكن لقوله سبحانه : وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ موقع ؛ إذ الأمر منحصر بين أن يكون رفع الصّوت مؤذيا ، فيكون كفرا محبطا قطعا ، وبين أن يكون غير مؤذ ، فيكون كبيرة محبطة على رأيه قطعا ، فعلى كلا حاليه الإحباط به محقّق إذن ، فلا موقع لإدعام الكلام بعدم الشّعور مع أنّ الشّعور ثابت مطلقا . ثمّ قال عليه الرّحمة : وهذا التّقدير يدور على مقدّمتين كلتاهما صحيحة : إحداهما : أنّ رفع الصّوت من جنس ما يحصل به الأذى ، وهذا أمر يشهد به النّقل والمشاهدة ، حتّى أنّ الشّيخ ليتأذّى برفع التّلميذ صوته بين يديه ، فكيف برتبة النّبوّة وما تستحقّه من الإجلال والإعظام . ثانيتهما : أنّ إيذاء النّبيّ صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم كفر ، وهذا ثابت قد نصّ عليه أئمّتنا ، وأفتوا بقتل من تعرّض لذلك كفرا ولا تقبل توبته ، فما أتاه أعظم عند اللّه تعالى وأكبر ، انتهى . وحاصل الجواب أنّه لا دليل في الآية على ما ذهب إليه الزّمخشريّ ، لأنّه قد يؤدّي إلى الإحباط إذا كان على وجه الإيذاء أو الاستهانة ، فنهاهم عزّ وجلّ عنه ، وعلّله بأنّه قد يحبط وهم لا يشعرون . وقيل : يمكن نظرا للمقام أن ينزل أذاهم رسول اللّه صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم برفع الصّوت منزلة الكفر تغليظا ، إجلالا لمجلسه صلوات اللّه تعالى عليه وسلامه ، ثمّ يرتّب عليه ما يرتّب على الكفر الحقيقيّ من الإحباط ، كقوله تعالى : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ إلى قوله سبحانه : وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ آل عمران : 97 . ومعنى وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ عليه : وأنتم لا تشعرون أنّ ذلك بمنزلة الكفر المحبط وليس كسائر المعاصي ، ولا يتمّ بدون الأوّل . وجاز كما في « الكشف » أن يكون المراد ما فيه استهانة ، ويكون من الباب فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ القصص : 86 ممّا الغرض منه التّعريض ، كيف وهو قول منقول عن الحسن كما حكاه في « الكشّاف » . وقال أبو حيّان : إن كانت الآية بمن يفعل ذلك